محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

191

الروض المعطار في خبر الأقطار

وحاجهم ووعظهم ، فرجع منهم ستة آلاف ، رجعوا إلى الكوفة ، وبقي من بقي منهم ، ثم اجتمعوا على البيعة لعبد اللّه بن وهب الراسبي ، ومضى القوم إلى النهروان ، ومضى إليهم عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما فقال : ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين ؟ قالوا : قد كان للمؤمنين أميرا فلما حكم في دين اللّه تعالى خرج من الايمان ، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له . فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك أن يقرّ على نفسه بالكفر ، قالوا : إنّه حكّم ، قال : إن اللّه تعالى قد أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ( المائدة : 95 ) فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين ؟ قالوا : إنه حكم عليه فلم يرض ، قال : إن الحكمين لما خالفا نبذت أقاويلهما ، كما في الإمامة إذا فسق الإمام وجبت معصيته ، فقال بعضهم لبعض : لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإن هذا من القوم الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم : بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( الزخرف : 58 ) ، وقال عزّ وجلّ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( مريم : 97 ) ، وقال مصعب بن سعد : سألت أبي عن هذه الآية قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الآية ( الكهف : 103 ) أهم أهل حروراء ؟ قال : هم اليهود والنصارى كذبوا وكفروا ، لكن الحرورية الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به ان يوصل ، وكان يسميهم الفاسقين ، وآل الأمر إلى أن تجبروا ، وخرج إليهم علي رضي اللّه عنه فأوقع بهم بالنهروان ، وفي شرح ذلك طول ليس هذا موضعه . حرّان « 1 » : مدينة من ديار مضر ، قديمة عتيقة ، لا يدرى متى بنيت ، يقال بناها هران أخو إبراهيم عليه السّلام وهو أبو لوط عليه السّلام ، ويقال هارن ، وإليه تنسب حران ، وهي مدينة الصابئين ولهم بها تلّ عليه مصلاهم ، وهم يعظمونه وينسبونه إلى إبراهيم عليه السّلام ، وهي من غرّ البلاد لكنها قليلة الماء والشجر ولها رساتيق وعمارات وموضعها في مستو من الأرض ، يحيط بها جبل شامخ مسافة يومين . ويزعم الصابئون أن حاران بن تارح ، وهو أخو إبراهيم عليه السّلام ، مرّ بها بعد نيف وخمسين سنة فقال : وانك كعهدك يا عجوز . وحران مدينة مسورة ومسجد جامعها داخل في مدينتها ، ولها أربعة أبواب : باب الرقة جنوبي ، والشرقي باب يزيد ، والشمالي باب يزيد « 2 » ، والغربي باب الفرات « 3 » ، ولها في غربيها دويرات وفي شمالها خرب ، وليس للمدينة في نفسها بساتين وماؤها من الآبار ، ولها قرى متصلة بها ، تضم كل قرية خلقا كثيرا ، ولها عمارات واسعة ، وفي كل قرية مسجد جامع ومنار ، ويزعم الصابئون أن ماني الثنوي من أهل حران وانه كان أسقفا بنجران ، فوقع عزم من الجاثليق فقال : واللّه لأفسدن عليه شريعته ، فقال باثنين وضارع قول المجوس ، وجعل أناجيل وتسمى مسيحا ، فضارع قول النصارى وأفسد الشريعة ، وقتله سابور أحد ملوك الفرس على الزندقة وصلبه على باب مدينة أرجان من مدن فارس . ويزعم الصابئون أيضا أن ديصان الزنديق من أهل حران وانه ولد زنا وجد منبوذا على نهر يقال له ديصان فسمي به . وفي مدينة حران مجمع الصابئين وقد درج أكثرهم وبقيت إلى اليوم منهم هناك بقية ، وأخبر من رأى بقيتهم وذكر أنهم يستقبلون الكعبة في صلاتهم كما يستقبل المسلمون ، وذكر أنهم من ولد صاب بن طاط بن خنوخ ، كان من أهل الحكمة والفلسفة والعلم بالنجوم وهو أول من نزل بابل واتخذ بها هيكلا ، وكان فيه كاهن يسمى كرمن ومعناه بلسانهم العالم الكبير ، ووضع لأهل العصر نواميس يعملون بها وأحكاما ينتهون إليها ، وكان قد أحكم في الصقع الذي كان نازلا به من أرض بابل بناء بطالع قد ارتصده ووقت قد اختاره ، وأثبت فيه من غوامض العلوم ما بقي أثره للصابئة ، ونقش بلاطات الهيكل بضروب الصناعات وصوّر فيها جميع المهن وصور أهلها ، وسنّ للصابئة ان متى أدرك لأحدهم ابن وصلح أن يتصرف ، أتى به والده إلى ذلك الهيكل وقربا عنه فيه قربانا ومشى الغلام داخل الهيكل ، فإذا كان عند الصباح وفرغ أهل الهيكل من ناموسهم قصد به السّادن إلى تلك البلاطات المزبور فيها جميع المهن وأراه إياها ، فما مالت إليه نفس الغلام من هذه الصناعات والمهن أمر أبويه أن يسلماه فيها فيحذق في تلك الصناعة . وكان لهم في القرابين أشياء أحدثها لهم صاب من جملة ما

--> ( 1 ) نزهة المشتاق : 200 ، وانظر ابن حوقل : 204 ، والكرخي : 54 ، وياقوت ( حران ) ، والمقدسي : 141 ، وابن جبير : 244 - 247 . ( 2 ) كذا ورد . ( 3 ) غ : الفدان ؛ ص : الغدان .